ابن كثير

49

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 12 إلى 15 ] يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ( 13 ) يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 ) يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة ، بحسب أعمالهم كما قال عبد اللّه بن مسعود في قوله تعالى : يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قال : على قدر أعمالهم يمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ومنهم من نوره مثل الرجل القائم ، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتّقد مرة ويطفأ مرة ، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير « 1 » ، وقال قتادة : ذكر لنا أن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول « من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك حتى أن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه » « 2 » وقال سفيان الثوري عن حصين ، عن مجاهد ، عن جنادة بن أبي أمية قال : إنكم مكتوبون عند اللّه بأسمائكم وسيماكم وحلالكم ونجواكم ومجالسكم ، فإذا كان يوم القيامة ، قيل : يا فلان هذا نورك ، يا فلان لا نور لك ، وقرأ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ . وقال الضحاك : ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة ، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا : ربنا أتمم لنا نورنا ، وقال الحسن : يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني على الصراط وقد قال ابن أبي حاتم رحمه اللّه : حدثنا أبو عبيد اللّه ابن أخي ابن وهب ، أخبرنا عمي عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن مسعود أنه سمع عبد الرّحمن بن جبير يحدث ، أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يخبران عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود ، وأول من يؤذن له برفع رأسه ، فأنظر من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم » فقال له رجل : يا نبي اللّه كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك ؟ فقال : أعرفهم محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم ، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم ، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم ، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم » . وقوله وَبِأَيْمانِهِمْ قال الضحاك أي وبأيمانهم كتبهم كما قال : فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الإسراء : 71 ] وقوله : بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي يقال لهم : بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها أبدا ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وقوله : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 676 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 11 / 676 .